
رحلة أبيقورية إلى الأناضول
السفر إلى تركيا مغامرة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالطعام. تُعد تركيا جسرًا بين آسيا وأوروبا، وهي بوتقة تنصهر فيها الثقافات، ويتميز تنوع مطابخها المحلية بأنه لا مثيل له. وسيُحتفى بثراء المطبخ التركي وتنوعه أكثر في عام 2020، إذ أعلنت وزارة الثقافة والسياحة التركية أن عام 2020 سيُخصص لـ«عام المطبخ التركي»، وستُقام سلسلة من الفعاليات للترويج لنكهات البلاد الشهية. وإحياءً لهذه المناسبة، فلنخُض معًا رحلة طهي في تركيا.

أرض السمك والبندق والذرة: البحر الأسود
يقع إقليم البحر الأسود (قره دنيز) بين البحر والجبال الخضراء، ويتمتع بجغرافيا ومناخ فريدين أسهما في نشوء مطبخ تقليدي تتصدره الأسماك والمكسرات والشاي والذرة. إنها طبيعة خضراء مليئة بمزارع الشاي والمدن الساحرة والقرى الهادئة ومراعي الجبال. ومن أبرز مكونات مطبخ البحر الأسود السمك، ولا سيما الأنشوجة الأوروبية التي تُسمى بالتركية «حمسي». تُقلى («حمسي طاوة»)، وتُطهى مع الأرز («بيلاف حمسيلي»)، وتُحشى في المعجنات والخبز («بورك حمسيلي» و«إكمك حمسيلي»)، بل وتُحوَّل إلى حلويات.
الذرة مكون شائع في هذا المطبخ؛ ويمكنك تذوق خبز الذرة اللذيذ في أنحاء الإقليم. ومن الأطباق المميزة في البحر الأسود «مولهاما»، وهو فوندو جبن يُحضَّر بدقيق الذرة. ومطبخ البحر الأسود حلم النباتيين، إذ يضم أطباقًا لذيذة من نباتات وأعشاب متنوعة، مثل الملفوف الأسود والقراص و«ميرولجان» و«هودان». وفي الواقع، يزخر الإقليم بمئات النباتات والأعشاب الصالحة للأكل، وكثيرًا ما يُربط ذلك بطول عمر السكان المحليين. وعادةً ما تُقدَّم هذه النباتات والأعشاب مطهوّة قليلًا.
من النكهات التي لا يجب تفويتها حساء الملفوف الأسود، والملفوف الأسود المحشو المُقدَّم مع اللبن الرائب اللذيذ. كما أن البحر الأسود أرض البندق أو «فندق». تُعد تركيا أكبر منتج للبندق في العالم، وأجود أنواعه تُزرع في البحر الأسود، ولا سيما في أوردو وجيريسون. ومن النكهات المحلية التي يدخل فيها البندق حساء البندق و«فندقلي بورما»، وهي حلوى من عجينة الفيلو الملفوفة. وأخيرًا وليس آخرًا، يأتي الشاي. تعج السواحل الشرقية للبحر الأسود بمزارع الشاي. وتُعد ريزة «عاصمة الشاي» في تركيا؛ إذ تنتج المدينة «شاي ريزة» الشهير عالميًا. والمشروب الوطني في تركيا، الشاي، يُعد تقليديًا بإتقان («تافشان قاني») ويُقدَّم في كؤوس «الخصر النحيل».

الأعشاب وزيت الزيتون والمأكولات البحرية: نكهات تركايجيان على ساحل السعادة
النباتات البرية والأعشاب وزيت الزيتون والمأكولات البحرية… هذه هي المكونات الأساسية لمطبخ بحر إيجه، المشهور بنكهاته الصحية والشهية. ينتج هذا الإقليم خمسة وسبعين بالمئة من جميع الزيتون المزروع في تركيا، ويُعد زيت الزيتون ملك مائدة العشاء (وكذلك الفطور والغداء) في منطقة بحر إيجه. ويُستخدم زيت الزيتون أساسًا في الطهي، لكنه يُقدَّم أيضًا مقبلًا قائمًا بذاته. وهو صلصة غمس مثالية، غالبًا ما يُرش عليها الأوريغانو والريحان ويُقدَّم مع الخبز الطازج. وتشكل الأعشاب والنباتات الخضراء جزءًا كبيرًا من هذا المطبخ. بل إنها ألهمت إقامة مهرجان في ألاجاتي، وهي قرية ساحرة تبعد نحو ساعة بالسيارة عن إزمير.
يُقام مهرجان ألاجاتي للأعشاب كل شهر أبريل، ويعزز ثقافة الأعشاب الواسعة في الإقليم. وتحتل الأعشاب والنباتات والخضروات مكانة بارزة في «المزة» (المقبلات) و«زيتينياغليلار»، وهي أطباق قائمة على زيت الزيتون وتتصدر مطبخ بحر إيجه. ومن الأطباق التي لا يجب تفويتها: «كوزلنميش باتلجان» (باذنجان مشوي)، و«كاباكتشيتشيجي دولماسي» (كوسة زهرية محشوة)، و«زيتينياغلي إنغينار» (خرشوف مطهو بزيت الزيتون)، و«فافا» (بيوريه الفول)، و«حيدري» (لبن بالأعشاب)، و«شاكشوكا» (باذنجان مقلي مع صلصة الطماطم)، و«دينيز بوروليجي» (سلطة فاصوليا البحر)، و«سميزوتو سالاتاسي» (سلطة البقلة)، و«مجفر» (كوسة مقلية بالأعشاب)، و«زيتينياغلي كرفز» (كرفس مطهو بزيت الزيتون).

طعم الريفييرا التركية
ليس مستغربًا، نظرًا لجغرافية الإقليم، أن تكون المأكولات البحرية جزءًا رئيسيًا من مطبخ بحر إيجه. وأكثر طرق الطهي تفضيلًا هي الشواء. فالسمك الطازج (أو أي نوع من المأكولات البحرية) يُشوى ويُقدَّم مع سلطة من الطماطم والخيار والبصل والفلفل المفرومة ناعمًا. ومن أشهر أنواع الأسماك القاروص («ليفريك»)، والدنيس («تشيبورا»)، والحدوق («مزغيت»)، والسردين («صردالية»)، و«بابالينا»، وهي نوع صغير من السردين. ويمكن أيضًا قلي الأسماك الصغيرة مثل السردين والبوري الأحمر («باربون») والماكريل الحصاني («إسطافريط»). ومن المأكولات البحرية المميزة في الإقليم الكالاماري المشوي والمقلي، وسلطة الأخطبوط، ويخنة الروبيان، والمحار المحشو.
رغم أنهما متقاربان كالأشقاء، فإن مطبخي بحر إيجه والبحر المتوسط يختلفان في تفاصيل دقيقة، ما يجعل كلًا منهما فئة قائمة بذاتها. كما هو الحال في مطبخ بحر إيجه، يقوم المطبخ المتوسطي على زيت الزيتون والخضروات والنباتات. وبفضل المناخ المتوسطي المشمس المعتدل، تزدهر في هذا الإقليم خضروات مثل الطماطم والباذنجان والخرشوف والكوسة والبقوليات والفطر والخيار. واليوم، من المسلَّم به على نطاق واسع أن النظام الغذائي المتوسطي طريقة أكثر صحية في تناول الطعام.
الخضروات الطازجة في صميم المطبخ المتوسطي؛ فهي تُشوى وتُقلى وتُطهى بزيت الزيتون وتُقدَّم طازجة في السلطات. وعادةً ما تُقدَّم السلطات مع عصير الليمون وزيت الزيتون البكر الممتاز ودبس الرمان («نار إكشيسي»). والمقبلات وأطباق زيت الزيتون أساسية في المطبخ المتوسطي. ومن أشهر المقبلات: «باباغانوش» (باذنجان مشوي مع الفلفل والطماطم)، و«حمص» (بيوريه الحمص مع الطحينة)، و«طراطور» (صلصة من اللبن وعصير الليمون)، و«بياز» (فاصولياء بيضاء مطبوخة مع البصل)، و«جاجيق» (لبن بالنعناع والخيار).

لذائذ شرق تركيا
تُستخدم الرمان، إلى جانب مكسرات مثل الصنوبر واللوز والجوز، بانتظام في الصلصات والمعجنات. وتُعد البقوليات المجففة، ولا سيما الحمص والفاصولياء البيضاء والبازلاء والعدس، مصدرًا رئيسيًا للبروتين. وتُستخدم في الحساء والسلطات والأطباق، إلى جانب أعشاب مثل الريحان والأوريغانو والزعتر وإكليل الجبل والبقدونس والشبت والنعناع والشمر والكزبرة. كما يُستخدم اللبن والأجبان الطازجة مثل الفيتا («بيض بنير») و«جبن هللم» على نطاق واسع في الأطباق والسلطات. ويُستهلك اللحم عادةً باعتدال؛ إذ يُشوى غالبًا ويُقدَّم مع الأعشاب الطازجة. أما المأكولات البحرية فهي مصدر بروتين أكثر استهلاكًا بكثير؛ فالسمك يُشوى أو يُقلى أو يُسلق ويُقدَّم مع السلطات. وفضلًا عن ذلك، يُعد المتوسط عاصمة الحمضيات في تركيا؛ إذ تُحوَّل البرتقالات والليمون واليوسفي والبرغاموت إلى حلويات ومربيات ومربى الحمضيات.
تتمتع المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية في تركيا بتنوع غني في مطابخها المحلية، لكنها تشترك في أطباق ومكونات كثيرة. ويُعد اللحم (لحم البقر وكذلك لحم الضأن والماعز) والتوابل الحارة والبقوليات والحبوب مثل البرغل والعدس والأرز المكونات الرئيسية، بينما تُعد الكباب و«بيدة» (طبقات رقيقة من العجين تُعلى باللحم أو الجبن أو الخضروات) و«لحم بعجين» (لحمجون، وهو خبز مسطح يُعلى باللحم المفروم والخضروات) من أشهر النكهات بلا منازع. غير أن هذه المناطق تقدم أكثر من ذلك بكثير. ففي غازي عنتاب، المدينة الجنوبية الشرقية الجديرة بعشاق الطعام الراقي، يمكنك تذوق أنواع لا تُحصى من الكباب، منها كباب الباذنجان والفستق والشيش كباب. لكن المدينة تضم أيضًا مئات الأطباق المطهوة في القدور، والحساء، والخضروات المحشوة، والحلويات.

من الأطباق التي لا يجب تفويتها: «أنالي كيزلي»، وهو حساء غني يُحضَّر بكرات اللحم والطماطم والبرغل والحمص؛ و«يوفالاما»، وهو طبق معقد يُحضَّر باللبن ونوع خاص من كرات اللحم؛ و«آليناذيق»، وهو بيوريه الباذنجان مغطى باللحم المفروم؛ و«شيفيديز»، وهو يخنة بالكراث والبصل واللحم واللبن؛ و«بيران شوربا»، وهو مرق يُحضَّر بلحم الضأن والأرز والثوم. وهناك أيضًا حلويات كثيرة للاختيار منها؛ فالبقلاوة، وهي حلوى غنية تُحضَّر من طبقات عجين الفيلو المحشوة بالفستق والشراب، قد تبدو الخيار الواضح، لكن يمكنك تجربة «كاتمر»، وهو طبق معجنات هشة محشو بالفستق، و«شوبيت»، وهي طبقات من عجين الفيلو محشوة بالكريمة والمكسرات، و«كداييف»، وهي حلوى مشبعة بالشراب تُحضَّر من عجين الخيوط المحشو بالمكسرات.





